وهبة الزحيلي

26

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

السحاب مطرا بقدر الحاجة والكفاية للشرب والسقي ، لا كثيرا يفسد الأرض والعمران ، ولا قليلا لا يكفي الزرع والثمار ، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها ، ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها ، يساق الماء إليها من بلاد أخرى ، كأرض مصر التي يقال لها : الأرض الجرز ، يأتي حاملا معه الطين الأحمر « الغرين » من بلاد الحبشة ، فيستقر الطين فيها للزراعة فيه ، فتغطي الرمال به ، وهي ما يغلب في تلك الأرض . وجعلنا الماء إذا نزل من السحاب يستقر في الأرض ، وجعلنا في الأرض قابلية له ، فيتغذى به ما فيها من الحب والنوى ، ومنه تنبع الأنهار والآبار . وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ أي ولو شئنا إزالته وتصريفه عنكم وتغويره لفعلنا ، كما أنا قادرون على إنزاله . وكذلك لو شئنا لجعلناه ملحا أجاجا لا ينتفع به في الشرب والسقي ، ولو شئنا ألا يمطر السحاب لفعلنا ، ولو شئنا أن يبقى على سطح الأرض لفعلنا ، ولكن لرحمتنا ولطفنا بكم أسكناه في الأرض بمثابة خزانات ، لتأخذوا منه عند الحاجة ، وتسقوا به زرعكم وثماركم وأنفسكم ودوابكم ، وتنتفعوا به بسائر وجوه الانتفاع من غسل وتطهر وتنظيف وتبرد ونحو ذلك . فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ أي فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين وحدائق ذات بهجة أي ذات منظر حسن ، وفيها النخيل والأعناب ، وهذا أغلب فواكه العرب . لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ أي لكم في الجنات فواكه متنوعة كثيرة ، من جميع الثمار ، عدا النخيل والأعناب ، وتأكلون من ثمار الجنات وتنتفعون بها ، وترزقون وتتعيشون . وقوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ كأنه معطوف على شيء مقدر ، تقديره :